أساسيات العلاقة المهنية في التعامل مع الأيتام ومعوقات تكوين العلاقة المهنية     
   
 

العلاقة المهنية في الخدمة الاجتماعية هي التفاعل أو التعامل المهني الذي ينشأ بين الأخصائي الاجتماعي والعميل لتحقيق أهداف عملية التدخل والمساعدة، وهذا التفاعل يتضمن الاستجابة للاتجاهات العقلية والوجدانية الانفعالية عند كل من طرفي العلاقة ونحو موقف المساعدة (المشكلة).

وتعرف العلاقة المهنية أيضا بأنها التبادل العاطفي الناضج والتفاعل الدينامي، والاتصال العقلي والسلوكي الفاعل الذي يظهر بين الأخصائي الاجتماعي والعميل بهدف إيجاد جو مناسب للعمل والمساعدة.

ويمكن تكوين العلاقة المهنية بين الأخصائي الاجتماعي والعميل بواسطة الالتزام والتقيد بمجموعة من القيم السلوكية والأخلاقية من أهمها: حفظ كرامة العميل واحترامه وتقدير مشاعره وأفكاره، وتقبله كإنسان له قدراته وخصائصه البدنية والنفسية والاجتماعية، ومراعاة خصوصيته وحفظ أسراره، ومراعاة الفروق الفردية بينه وغيره من الناس، وعدم التسرع في إصدار الأحكام عليه وعلى تصرفاته، وإتاحة الفرصة له لتقرير مصيره، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره وانفعالاته.

وقد حدد بعض المختصين أربع خصائص أساسية للعلاقة المهنية والتي بدورها تحدد نجاح العلاقة بين الأخصائي الاجتماعي والعميل ومن ثم نجاح عملية المساعدة والعلاج وهي:

1-   التطابق الذي يعني اتفاق ما يبديه الأخصائي الاجتماعي للعميل أثناء التفاعل والعمل مع ذاته الواقعية فاستنادا إلى ذلك يكون الأخصائي أمينا صادقا ومخلصا يكشف عن حقيقة ذاته، كما يطلب من العميل المعاملة بالمثل حيث يكشف حقيقة ما لديه ويكون أكثر تطابقا.

2-   الفهم أو الإدراك الوجداني (التعاطف) ويقصد بذلك فهم مشاعر وأحاسيس العميل وكأن الأخصائي الاجتماعي يعيش تلك الأحاسيس والمشاعر بنفسه، ولا يقصد بذلك العطف أو الشفقة عليه.

3-   الاعتبار الإيجابي ويقصد بذلك النظرة الإيجابية نحو العميل ورعايته والثقة به وإبداء الرغبة والاستعداد لمساعدته.

4-   الاعتبار غير المشروط ويقصد بذلك محبة العميل غير المشروطة بمقابل، وكذلك الاعتبار والمحبة التي لا تخضع للون أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو الاقتصادية.

      وتعتبر العلاقة المهنية هي المحور الأساسي الذي ترتكز عليها العملية العلاجية، حيث تؤكد الممارسات الميدانية على أنه ما لم تنشأ علاقة مساعدة صحيحة، فإنه لن ينجح الأخصائي الاجتماعي في جهوده العلاجية، وأن العلاقة إذا استوفت شروطا معينة كالتقبل والمشاركة والأصالة من جانب الأخصائي، وإذا أدرك المسترشد هذه الشروط إدراكا صحيحا فإن العمل سوف يسير على خير وجه.

      والعلاقة المهنية تتطلب من الأخصائي الاجتماعي إعطاء أهمية كبيرة للقيم والاتجاهات المهنية كالتقبل، وعدم التسرع في إصدار الأحكام، وحق العميل في تقرير مصيره واحترام شخصيته وصيانة كرامته وآرائه ومشاعره، حيث تؤكد الدراسات والممارسات أن للمبادئ المهنية كالتقبل، والاحترام والتقدير، والتعبير الهادف عن المشاعر والآراء، وحق تقرير المصير، ومراعاة الفروق الفردية، دور أساس في تكوين العلاقة المهنية والمحافظة عليها.

ويقصد بالتقبل تقبل العميل بغض النظر عن مظهره، ولونه، وحالته الاقتصادية والاجتماعية، وسنه، وفكره واتجاهاته وقيمه، وكذلك تقبل مشكلته، وهذا التقبل لا يعني رضا الأخصائي عن سلوك العميل وإنما يعتبر وسيلة أساسية لبقاء العميل في الجو الإرشادي أو العلاجي ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حيث تقبل عمل الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد ثم علمه وأرشده أن هذه البقعة لا تجوز لشيء من النجاسات وإنما هي بقعة معدة للصلاة يجب تنزيهها عن الدنس والنجاسات. وكذلك فعله مع الشاب الذي طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له في الزنا ثم انتهره الصحابة وأغلظوا عليه فقال عليه الصلاة والسلام ادن مني ثم بدأ في مخاطبة عقله وعاطفته حيث شرع في تغيير اتجاهاته وإقناعه حيث وضح صلى الله عليه وسلم أن الناس في النهاية لا يقبلون هذا السلوك المشين لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم.

      أما الاحترام فينبغي أن يكون وسطا بين نقيضين هما الإفراط والتفريط فالإفراط في الاحترام كأن يذكر الأخصائي الاجتماعي المكانة الهامة لأهله أو لعشيرته، أو مكانته العلمية، أو مركزه الاجتماعي أو مكانته هو شخصيا كل ذلك إن حصل يحول دون استفادة العميل من العمل حيث سيقوم العميل بحجب معلومات هامة جدا عن الأخصائي.

أما التفريط فيقصد به إهانة العميل والاستهزاء به والحط من قدره ومقاطعته وتسفيه آرائه مما يؤدي بالتالي لمقاومته للأخصائي الاجتماعي وبالتالي عدم استفادته من العمل.

      إن أساليب التقبل والاحترام والتقدير تسهم في زيادة ثقة العميل بالأخصائي الاجتماعي، كما تساعد العميل في الكشف والإفصاح عما بداخله.

ولعل من أهم العوامل التي تسهم في تكوين العلاقة المهنية ما يلي:

·  معاملة العميل كشخص له خصوصيته وسماته الخاصة ومعتقداته وقيمه واتجاهاته وظروفه المميزة له عن الآخرين.

·  التقبل وإشعار العميل بالقبول بكل ما فيه من حسنات وعيوب وقوة وضعف وقبول مشكلته أيضا.

·       إتاحة الفرصة للعميل لممارسة حريته كإنسان يملك حقه في الاختيار وتقرير المصير.

·  إتاحة الفرصة للعميل لتعبير الحر عن مشاعره الحبيسة وخاصة السلبي منها والمشاعر العدوانية والمؤلمة حتى يتم تحرره منها.

·       الاستجابة الصادقة لمشاعر العميل والتعاطف معها.

·       عدم إدانة العميل على أفعاله وسلوكياته غير المرغوبة.

·       حفظ أسراره الخاصة ما لم يكن هناك خطر على العميل أو الآخرين.

كما حدد بعض المختصين أهم صفات وخصائص العلاقة المهنية في التالي:

1-أن تكون علاقة طيبة مبنية على أساس من الثقة المتبادلة.

2-أن تكون العلاقة مبنية على التفاهم التام بين الطرفين.

3-أن تكون العلاقة خالية من أنواع التحيز الوجداني أو الانحراف العاطفي.

4-أن تكون العلاقة خالية من السيطرة والإرغام والسلطة المتعنتة.

5-أن تكون العلاقة في حدود وظيفة المؤسسة.

6-ألا تأخذ العلاقة موقف الحكم القاسي على أفكار وسلوكيات العميل.

7-أن يملك الأخصائي زمام الموقف من حيث الفهم الكافي لكل ما يعتمل في نفسية العميل.

كما تؤكد الممارسات الميداني على أن العلاقة العلاجية تبنى من خلال الاستماع والإنصات الواعي، والملاحظة الدقيقة، وعكس المشاعر والأفكار، وتشجيع عمليات التعبير الحر عن المشاعر والانفعالات والأفكار، والمساعدة في صياغتها بطريقة سليمة، وتوجيه عمليات التفاعل نحو الهدف، وتوجيه الأسئلة وطرح الأفكار التي تساعد في البحث عن الحلول أو الموارد أو الخدمات والبرامج، وكذلك اعتراف الأخصائي الاجتماعي بحدود قدراته وخبراته وطلب مشورة الآخرين ومساعدتهم وقت الحاجة، بالإضافة إلى الالتزام بالسرية التامة وتوضيح حدودها.

والعلاقة المهنية تمر بثلاثة مراحل أساسية هي:

1-   مرحلة البداية التي تتميز بالاختبار والاستطلاع والاستكشاف والتي تظهر فيها مقاومة العميل بطريقة واضحة أو خفية في شكل سلوك وقائي أو دفاعي، لذلك على الأخصائي الاجتماعي معرفة صور المقاومة المختلفة وأسبابها والتعامل معها بطريقة مهنية.

2-   مرحلة الوسط التي تتميز باستقرار العلاقة المهنية وخفت حدة مشاعر الخوف والقلق والتهيب، ونمو الثقة.

3-           مرحلة النهاية والانفصال.

ولأهمية العلاقة المهنية في خدمة أهداف العمل المهني ينبغي على الأخصائي الاجتماعي أن يعمل على التأكد من سيرها في الاتجاه الصحيح وذلك من خلال ملاحظة بعض المؤشرات التي تساعده في ذلك ونرى أن من أهم هذه المؤشرات ما يلي:

1-التغذية الراجعة من قبل العميل كقوله: لقد أحسست بالراحة بعد مراجعتك، أو لقد استفدت كثيرا من هذه المقابلة، أو صدقني أنني وجدت من يفهمني.

2-التزام العميل بالحضور في المواعيد المحددة.

3-جدية العميل في العمل والتفاعل والمشاركة وحل الواجبات والانفتاح الذاتي.

4-شعور الأخصائي الاجتماعي بالارتياح والسرور وقناعته بجدية العميل.

5-إبداء العميل لمشاعر الثقة في قدرات الأخصائي الاجتماعي وكفاءته.

ويشير بعض المختصين إلى بعض المؤشرات الأخرى التي يمكن أن تكون دليلا على سير العلاقة المهنية في الاتجاه الصحيح منها:

1-الشعور بالارتياح المتبادل وظهور الألفة المهنية.

2-ثقة كل من الأخصائي الاجتماعي والعميل بالطرف الآخر، واطمئنان العميل لقدرات الأخصائي الاجتماعي وحسن نواياه، وإقبال العميل على الحديث والكشف عن أسراره.

3-وجود التفاهم ومعرفة كل طرف لحقيقة الدور المطلوب منه.

4-اختفاء أساليب المقاومة التي يبديها العميل.

5-رغبة العميل في العلاج ومواصلته حتى النهاية.

6-تعاون العميل في حدود طاقاته وإمكانياته وتحمسه للعمل والتحرك نحو إنجاز الأهداف.

7-مؤازرة الخطة العلاجية والاقتناع بما تم من إنجازات.

 

معوقات تكوين ونمو العلاقة المهنية

وأخيرا تواجه العلاقة المهنية بعض العقبات والصعوبات التي تعيق نموها على الوجه المطلوب، وترتبط هذه العقبات بكل من الأخصائي الاجتماعي والعميل والمؤسسة التي تقوم بتقديم الخدمات.

فمن العقبات المرتبطة بالعميل المقاومة التي يبديها بعض العملاء في صور مختلفة منها:

1-           التأخر عن مواعيد الجلسات.

2-           الغياب المتكرر.

3-           الانقطاع قبل إنهاء العلاج.

4-           التشكيك في قدرات الأخصائي الاجتماعي وكفاءته.

5-   معارضة وجهة نظر الأخصائي الاجتماعي باستمرار وعدم الأخذ باقتراحاته والتقيد بتعليماته.

6-           إنكار وجود مشكلة.

7-           الإحجام عن الحديث مباشرة.

8-           إعطاء معلومات غير صحيحة.

وتعود أسباب مقاومة العملاء للعملية العلاجية لأسباب متنوعة من أهمها:

·       دخول العميل في العملية العلاجية دون رغبته أو موافقته.

·       شعوره بطول فترة العلاج وعدم تحقيق الأهداف المرسومة.

·  رجوع الأخصائي الاجتماعي لمصادر معلوماتية دون موافقة العميل، والتسرع في استخدام الأساليب العلاجية من قبل الأخصائي الاجتماعي، والخروج بالعملية العلاجية عن أهدافها.

·       التدخل السافر في حياة العميل الخاصة دون سبب.

·       إحساس العميل بعدم اهتمام الأخصائي الاجتماعي به وبمشكلته.

·  نظرة العميل السلبية للعملية العلاجية، وخوفه من تأثير هذه العملية على مكانته أو مكانة من يحب.

أما العقبات المرتبطة بالأخصائي الاجتماعي فيمكن تلخيص أهمها في التالي:

1-   كثرة الوعود وعدم الوفاء بها خاصة ما يرتبط بوعده للعميل بالتخلص من المشكلة في فترة محددة.

2-           التسرع في استخدام أساليب المواجهة والسلطة.

3-           عدم توضيح طبيعة العلاقة المهنية للعميل.

4-           نقص الكفاءة المهنية.

5-           الإفراط في احترام العميل وتقديره.

6-   عدم اقتناع الأخصائي الاجتماعي بطبيعة عمله وعدم ثقته في قدرته على مساعدة العميل.

وأخيرا تواجه العلاقة المهنية بعضا من الصعوبات المرتبطة بالمؤسسة التي تقوم على تقديم الخدمات وتتمثل هذه العقبات في:

1-           عدم اقتناع إدارة المؤسسة بعمل الأخصائي الاجتماعي.

2-   بطئ الإجراءات الإدارية وتقعدها، وفرض  قيود على العملية العلاجية كمنع إجراء بعض الاختبارات النفسية والشخصية وعدم توفرها في بعض الأحيان، وعدم توفير مكان مناسب للأخصائي الاجتماعي يضمن عامل السرية، وتكليف الأخصائي الاجتماعي بأعمال لا تتناسب مع طبيعة عمله.

 

اتجاهات شخصية واجتماعية إيجابية للتعامل الناجح

       

1- تذكر دائما أنك تتعامل مع بشر يصيب ويخطئ وهو غير معصوم.

2- حاول أن تتلمس الأعذار لأخطاء عميلك، ولا تستعجل الحكم عليه وعلى تصرفاته.

3- تذكر أن أساس نجاح أي علاقة مع عميلك تعتمد بدرجة كبيرة على مدى التزامك بالقيم الأخلاقية التي تحافظ على كرامة الإنسان الذي تتعامل معه واحترامه وتقبله.

4- تذكر أن التعامل الناجح مع الآخرين يرتكز على تعاملك معهم حسب قدراتهم وإمكانياتهم ومراعاة خصائصهم البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية.

5- الأخذ بعين الاعتبار حاجات واهتمامات وقيم وطموحات وميول ورغبات من تتعامل معه قدر الإمكان.

6- تذكر أن التدخل الناجح هو الذي يهتم بالجوانب الانفعالية والعقلية لمن نتعامل معهم، وأن الاقتصار على التعامل مع الجوانب العقلية فقط لن يكون تأثيره فعالا.

7- لا تركز على السلبيات فقط وإغفال الجوانب الإيجابية في شخصية من نتعامل عمهم.

8- عدم التركيز على الإنجازات فقط وإغفال الجهد.

9- تجنب الإفراط في الشدة والتدليل وكن وسطا بين ذلك.

10- امنح وقتا كافيا لمن تتعامل معه للتعلم واكتساب المعلومات والخبرات والمهارات ولا تستعجل عملية التغيير.

11- تذكر أن العلاقة الصحيحة هي العلاقة المبنية على المناقشة والحوار والإقناع.