( ( ربِ اجعل هذا البلد آمناً ))    07/11/1432 
     

 

 

محاضرة بعنوان

( ( ربِ اجعل هذا البلد آمناً ))

بمناسبة اليوم الوطني ( 81 ) لتوحيد المملكة العربية السعودية

ضمن برنامج احتفاء الجامعة بهذا اليوم ( كلية الشريعة ـ الرياض )

3 / 11 / 1432 هـ

إعداد

الأستاذ الدكتور / أحمد بن يوسف الدريويش

وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

لشؤون المعاهد العلمية

والأستاذ بقسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء

1432هـ

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

فإن نعمة الأمن بمفهومه الشامل, من أجلّ النعم التي امتن الله تعالى بها على عباده, وهي أعظم مطلوب للبشر في هذه الدنيا, إذ بدونها لا تستقيم لهم حياة, ولا يقر لهم قرار.

قال تعالى: (( لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ{1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ{2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ{3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ{4})) ( ).

وقال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح منكم آمناً في سربه, معافى في جسده, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"( ).

الأمن مطلب فطري , وحاجة إنسانية ملحة ونعمة من أجل النعم لا تستقيم الحياة بدونه ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع أو دولة . . بشقيه الأمن الجسدي . . والأمن الفكري . . .

والإسلام دين الأمن والرحمة والأمان والسلام . . جاء ليؤسس ويقيم مجتمعاً آمناً نظيفاً سليماً مستقراً معافىً من كل العلل والأمراض والاسقام الحسية والمعنوية . .

والإسلام جعل الأمن والأمان ملازم لنعمة الإيمان إذ بين اللفظتين تقارب وتجانس واشتقاق قال تعالى : (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أؤلئك لهم الأمن وهم مهتدون )) سورة الأنعام ( 82 ) . .

كما قدمه إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعائه كما في قوله تعالى : (( وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناً وأرزق أهله من الثمرات )) فدعا ربه   بأمرين : أولا : الأمن  ثانياً : الرزق . .

فالأمن هو أساس الرزق , لأن الناس لا يطيب لهم عيش مع وجود الخوف

وقد جاء الإسلام بحفظ الضروريات الخمس : الدين . والنفس . والعقل . والعرض والنسل . والمال .

وهذا لا يتحقق إلا بتحقيق الآمن بمفهومه الشامل

إذن فالأمن يأتي على رأس أولويات الإنسان على هذه الأرض, وإن كان الأمن على الحياة هو المتبادر عند إطلاق مصطلح الأمن إلا أن الأمن له مفهوم أعم ومعنى أشمل من ذلك بكثير فهو يشمل بالنسبة للأفراد الأمن على الأعراض والأمن على الأموال والممتلكات وانتفاء كل مظاهر الخوف في حياته وبالنسبة للدول يشمل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي, وهو بالنسبة للمسلم – إضافة إلى ما سبق - يشمل الأمن العقدي والفكري, وبالنسبة للأمن المتعلق بالدين والشرع والعقيدة يأتي على رأس الضروريات عنده, ولهذا نجد أن الضرورات الخمس التي ذكرها العلماء يأتي على رأسها حفظ الدين.

ولقد رأينا أثر الدين في حياة الدول والشعوب من حيث تحقيق الأمن والاستقرار والحياة الكريمة . .

من نعم الله علينا أن جعل بلادنا قبلة المسلمين ، ومهوى أفئدة الموحدين من شتى البقاع المعمورة . . آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان . . قال تعالى : (( واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً )) سورة ابراهيم ( 35 ) . . وقال تعالى : (( أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء )) سورة القصص ( 57 ) . . وقال تعالى : (( واذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً )) سورة البقرة ( 125 ) . .

 

ثانيا : واقع الأمن في المملكة

 

في عالم يموج بالفتن والقلاقل والثورات . . وتجتاحه الحروب والمجاعات والكوارث والنزاعات . . وتتهدد الإنسانية فيه مخاوف الجوع والفقر واليأس والقلق والاضطراب . . يلمس العالم أجمع ما تعيشه المملكة العربية السعودية من أمن واستقرار ورغد عيش وتآلف وتكاتف ولحمة وطنية تجمع بين الراعي والرعية, وذلك كله بفضل الله ثم بسبب قيامها على عقيدة التوحيد الخالص, وتطبيقها لشرع الله المطهر في كل شؤونها, وقيامها بالدعوة إلى الله تعالى في الداخل والخارج وكذلك قيامها بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متبعة في ذلك منهج السلف الصالح القائم على الوسطية والاعتدال والبعد عن كل مظاهر الغلو.

وكل ذلك جعل منها أنموذجاً فريداً للدولة المسلمة سواء في سياستها الداخلية أو الخارجية مما أكسبها احترام وتقدير جميع دول العالم فضلاً عن كافة الهيئات والمنظمات الدولية. .

وكما هو معلوم للجميع فإن بلادنا قبل أن توحد على يد المؤسس الملك الصالح عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ـ طيب الله ثراه ـ كانت مسبعة بشرية ، ممزقة سياسياً وأمنياً واجتماعياً وجغرافياً . . عاش الناس في ربوعها غير آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم . . لقد ضلت هذه البلاد دهوراً وعصوراً تعاني كما عاناه غيرها من الأقطار العربية والإسلامية والشرقية من آثرا التفرق والتمزق والتشتت والحروب والتخلف ولجهل والفقر والبدع والخرافات حتى شاء الله سبحانه وتعالى أن يولي أمرها جهابذة أبطالاً صناديد مخلصين لله مؤمنين به وبآياته وكراماته وما خص به عباده المؤمنين من حرية واستقلال وأنفة وكبرياء في الحق وعزة وتواضع وصدق مع الله ومع النفس ومع المجتمع . .

فإذا بشمس الحق تشع وإذا بنور الله يسطع فينبعث منه وحدة واتلافاً وأمنا وأماناً وتنمية ورقياً وصلاحاً وهداية وفلاحاً وحضارة ومدنية . . وتجديداً لما اندرس من أحكام الدين وتعاليمه من عقيدة التوحيد الصافية وعلوم القرآن والسنة . .

وإذا بالملك الوالد القائد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ يعيد ملك أبائه وأجداده وينشأ ملكاً قوياً مرهوب الجانب مسموع الكلمة في سائر الدنيا . . مختاراً الشورى وسيلة لحكمه , معتبراً البيعة الشرعية أساساً لملكه , مذكراً العالم الإسلامي بالخلافة الراشدة وتاريخ وأمجاد الخلفاء والحكام المسلمين الأوائل . . وإذا بمشيئة الله ومنه وفضله وكرمه تجيء كالغيث لا من كبد السماء , بل من باطن الأرض فتدعم الروحانيات والمقدسات بالماديات . . وتقف صرامة وحكمة وحزم الملك القائد سداً منيعاً حائلاً دون الاستغلال والاستعمار والهيمنة والتبعية ودون خدش الاستقلال . . فيسخر هذه الخيرات والثروات لخدمة الدين والمقدسات والوطن والمواطن والارتقاء به وتبديد ظلام الجهل عنه , واستبداله بنور العلم , والقضاء على الفقر والعوز والفاقة والمرض , ونشر العلم والثقافة , وتحقيق التنمية الشاملة , والمدنية المنضبطة بأوامر الشرع وأحكام الدين ليسعد الوطن والمواطن بل كل عربي ومسلم ووافد إلى هذه الديار ومقيم فيها . . فلم تقتصر خيرات هذا البلد على أهله بل امتدت لتشمل كل ملهوف ومحتاج إليه , وطالب العون والمساعدة منه . .

ويتوارث الأبناء الكرام البررة والحكام الأفذاذ والخلفاء الصادقين الأشاوس الحكم والملك عن أبيهم ـ رحمه الله ـ سائرين على خطاه في الاعتصام بكتاب الله والاهتداء بهدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحكم والسياسة والإدارة , ملتزمين حدود الله , ومطبقين لشرعه في أرضه , قلوبهم قبل بيوتهم لرعاياهم مفتوحة , ومجالسهم تدخل بلا دعوة , همهم إسعاد المواطن وتحقيق أمنه واطمئنانه وسلامته ورخائه وعزته ورقيه والدفاع عنه . . معاهدين الله على ذلك ثم من بايعهم من رعاياهم ـ رحم الله الأموات وأطال في عمر الأحياء على طاعته وهداه ورضاه ـ  . .

فما أن قضى الله أمره ونفذ حكمه باختياره الوالد الملك القائد إلى جواره ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ  حتى سد الفراغ وملاءه ملء السمع والقلب والبصر من بعده ممن خلفه فلم تشعر الرعية ولم يشعر الوطن بأن رجلاً رحل , وبأن قادماً قد حل . .

هذه هي بلادنا تسوس الدنيا بالدين , وتحرس الدنيا بالدين . . تساس بحكمة وحنكة وحذق فطنة وحزم ورفق وكفاية وكفاءة وخبرة وروية ودراية وبعد نظر واتزان واعتدال فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تشدد . .

حتى ـ بحمد الله ـ رفرف عليها علم السلام , ولواء الأمان . . فلا فتن ولا اضطرابات ولا دسائس ولا حزبيات ولا زيغ أو تناقض . . ولا عصبية أو روابط عرقية أو قبلية جاهلية وتيارات ضالة. . بل وحدة واتحاد ووطنية واجتماع كلمة وأخوة وتآلف وتضامن وتكافل ونقاء في العقيدة ونبذ للشرك بكافة صوره وأشكاله وتطبيق لشرع الله في أرضه , وجمع للأمة على مبادئ الإسلام وأحكامه وأخوته مستمده ذلك من الكتاب والسنة وسيرة سلف الأمة . .

وأضحت مثالا يحتذى لدولة إسلامية سلفية سنية حضارية مدنية . .

هذه الدولة غنية ـ بحمد الله ـ بقادتها الأكفاء وحكومتها الراشدة تبني وتشيد وتعمر وتأسس من أجل بناء دولة عصرية ذات حضارة ومدنية وريادة ومن أجل رفاهية دائمة لكل مواطن ومقيم على أرضها ووافد إليها وحياة كريمة آمنة لهم . .

ومن ثم فهي تضرب بيد من حديد على كل من يخرج عن ثوابتها واستمدادها الشرعي

أو يعبت بأمنها أو مقدراتها أو منجزاتها أو ممتلكاتها أو مواطنيها أو من يحمل فكراً ضالاً ومعتقداً باطلاً أو مثيراً للفتنة أو يحمل رأياً خارجياً معوجاً يدعو إلى التكفير

أو العنف أو الإرهاب أو الإفساد أو التطرف والتشدد . .

ومن ثم يجب على شبابنا ـ بخاصة ـ أن يعوا أهمية دولتهم , وأن ويحافظوا على وحدة بلادهم . . ومكانتها العربية والإسلامية والعالمية وأن يرتبطوا بولاة أمرهم وعلمائهم . . وأن لا يتلبسوا بأفكار ضالة , أو ينخدعوا بدعوات منحرفة . . وأن لا يتبعوا غير سبيل المؤمين بل يتبعوا الصراط المستقيم , والمنهج القويم . . وأن يراقبوا ربهم في السر والعلن , وأن لا يروعوا الآمنين , أو يتبعوا خطوات الشياطين بل الواجب المحافظة على بلادهم وأوطانهم ومواطنيهم وأن لا يكونوا معاول هدم وخراب بل بناء وتشييد وعمارة

واستقامة . .

وأن يعملوا بجد واجتهاد بما يعينهم وينفعهم في دينهم ودنياهم ويلبي حاجاتهم , ويحقق متطلبات تنمية وطنهم , واحتياجات سوق العمل فيه . .

فحب الوطن من الإيمان وواجب الشباب أن يعرفوا طريق الحق وأن يتبعوا الجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار . .

، وأصبحت واحة أمنٍ وروضةً خضراء يانعة مثمرة ، ودار أمن وسلام واستقرار . .

لقد كان توطيد الأمن من أهم أولوياته ـ يرحمه الله ـ منذ أن أسس هذه البلاد المباركة . . بقول ـ يرحمه الله ـ في هذا الصدد : ( إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون لذلك اطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة ، وإني احذر الجميع من نزعات الشيطان والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها افساد الأمن في هذه الديار ، فإنني لا أراعي في هذا الباب صغيراً ولا كبيراً ، وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره ) أ. هـ . عن ( شبه الجزيرة للزركلي 1 / 351 )

ويقول أيضاً : ( لقد أمنت الطريق ، وضربت على يد الظالم ، وأقمت شرع الله في جميع أنحاء المملكة ) أ . هـ ( عن القابسي المصحف والسيف 111 ) . .

ويقول أيضاً : ( إنني قطعت دابر الأشقياء والمفسدين وحقنت دماء أهلية ، وبسطت أورقة الراحة ، وساد الأمن في الحجاز ) أ.هـ ( نفس المرجع السابق 111) . .

كما اهتم الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ بأمن واسقرار بلادنا ،فقد اهتم أبناءه الملوك الحكام الكرام ألأوفياء الأشاوس من بعده فيه ـ غفر الله للأموات وأطال في عمر الأحياء ـ فطورا أجهزة الأمن المختلفة ودعموها بالرجال والعتاد بما يتفق والحاجة ، وتقدم العصر وتقنياته وما يعيشه من طفرة في كافة    المجالات . . حتى أضحت بلادنا مضرب المثل ومحط النظر في الأمن وغدت واحة أمن واستقرار . . فانصرف الناس إلى أداء أعمالهم آمنين ، وعلى أموالهم غير خائفين ، وعلى أنفسهم وأعراضهم مطمئنين . .

الأمر الذي يتطلب منا الحفاظ على هذا المكتسب الغالي النفيس وعدم التفريط فيه أو عمل ما يناقضه أو ينقصه أو يقوضه ، أو أن يسمح لأي كائن من كان أن يعبث فيه . . 

 

ثانيا : الأمن الوطني بمفهومه الشامل

 

مما لا شك فيه أن الأمن بمفهومه الشامل يعد من الركائز الجوهرية الحساسة التي تعتمد عليها الدول في المحافظة على استقلالها وأمنها الوطني وتطورها

والأمن الوطني بمفهومه الشامل هو الذي يتعلق بقدرة الدولة على حماية أراضيها وشعبها ومصالحها وعقائدها وثقافتها واقتصادها من أي عدوان خارجي بالإضافة إلى قدرتها على التصدي لكل المشاكل الداخلية والعمل على حلها واتباع سياسة متوازنة تمنع الاستقطاب وتزيد من وحدة الكلمة وتجذير الولاء والانتماء للوطن والقيادة.

وكل ذلك يحتاج إلى حراك دائم على المستوى المحلي والخارجي قوامه الدراسات الاستراتيجية المبنية على استقراء الماضي ومراجعة الحاضر واستشراف المستقبل( ).

وللأمن بمفهومه الشامل مفهوم عام يتفق عليه الجميع وهو: الطمأنينة وزوال الخوف, وراحة النفس والشعور بالرضا والاستقرار وأنه الأساس الذي تستند إليه الدول في تحقيق أهدافها التنموية.

وبناءً على هذا فقد عرّف الباحثون الأمن الوطني أو الأمن بمفهومه الشامل بتعريفات عدة منها:

(1)    أنه: "المحافظة على مصالح الأمة في الداخل والخارج وتأمين الجبهة الداخلية وحماية الحدود والثغور".

(2)    وقيل أنه: "شعور أفراد المجتمع بحالة من الرضا والطمأنينة التي تتحقق لهم من خلال حماية سيادة الدولة وإقليمها وشعبها من الأخطار التي تهدد أمنها السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفكري .

ومن خلال ماسبق يتبين لنا أن الأمن بمفهومه الشامل يشمل الأمن السياسي والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي والأمن الفكري.

أولاً: الأمن السياسي:

وهو يشمل الأمن السياسي الداخلي الذي يعني المحافظة على الوحدة الوطنية, وحماية المكتسبات الوطنية المتعددة والقضاء على كافة المشكلات التي تهدد استقرار الوطن وأمنه وأمن أبنائه , وتهدد الوحدة الوطنية, مع تعزيز العلاقة القوية والترابط بين الشعب والقيادة الراشدة الحكيمة التي تعمل بحكمة واقتدار وإخلاص في خدمة الدين والعقيدة الصحيحة والوطن والمواطن .

وأما الأمن السياسي الخارجي فهو يعني المحافظة على العلاقات الطيبة مع المجتمع الدولي على أساس المصالح المشتركة .

ثانياً: الأمن الاجتماعي:

إن افتقار أية دولة للأمن الاجتماعي يعد من أهم العوامل التي تخل بالأمن الوطني بمفهومه الشامل, الأمر الذي يجعل من معالجة القضايا التي تهدد الأمن الاجتماعي من أولويات الموضوعات التي ينبغي الاهتمام بها ورصد الظواهر الاجتماعية السلبية وحماية المجتمع منها, وغيرها من القضايا الاجتماعية التي تنصب في تعزيز الأمن الاجتماعي الذي يعد من المقومات الأساسية للأمن الوطني وجوانبه الداخلية والخارجية, وإن من أهم المخاطر التي تواجه الأمن الاجتماعي هو خطر الفرقة والاختلاف والمخاصمات بين أبناء الوطن

ثالثاً: الأمن الاقتصادي:

من المتفق عليه أن العلاقة بين التقدم الاقتصادي والأمن الوطني هي علاقة تبادلية بحيث أن كل واحد له تأثير في الآخر بالسلب أو الإيجاب, حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن الاقتصاد يشكل العمود الفقري بالنسبة لجميع الدول ولا يقتصر دور الاقتصاد على المشروعات التنموية التقليدية بل يؤثر بشكل كبير في السياسات الأمنية العسكرية, ويلعب دوراً مهماً في تحييد أثر العوامل الأخرى التي تمس أمن واستقرار المجتمع, ومن خلال ذلك يتضح أن السياسة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية ساهمت إلى حد كبير في توفير قواعد الأمن وتعزيز فرص الرخاء والاستقرار للمواطنين وذلك من خلال تبني سياسة نفطية معتدلة تساهم في تعزيز استقرار الاقتصاد الدولي, والعمل على تحسين بيئة الاستثمار, والانضمام إلى المنظمات الاقتصادية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية, والعمل على تسريع التكامل الاقتصادي مع الدول العربية والإسلامية وغيرها من الموضوعات التي تساهم في تعزيز الأمن الاقتصادي.

رابعاً: الأمن الفكري:

إن الاختلال في الأمن الفكري يؤدي إلى انتشار الفكر المنحرف داخل المجتمع, ويترتب على ذلك اختلال الأمن بكافة جوانبه دون استثناء, فضلاً عن أن فقدان الأمن الفكري في المجتمع يشكل تهديداً كبيراً على الأمن الوطني بكافة أبعاده, ويعرف بعض الباحثين الأمن الفكري بأنه "سلامة فكر الإنسان من الانحراف أو الخروج عن الوسطية والاعتدال في فهمه للأمور الدينية والسياسية والاجتماعية, مما يؤدي إلى حفظ النظام العام وتحقيق الأمن والطمأنينة والاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية غيرها من مقومات الأمن الوطني", ومن هنا نجد أن الانحراف من أهم مهددات الأمن الفكري الذي يعد من مقومات الأمن الوطني بجميع مستوياته ولهذا لابد من ضرورة محاربة الفكر المنحرف, والعمل على تعزيز مبدأ الوسطية والاعتدال وغيرها من القضايا التي تؤدي معالجتها إلى تعزيز الأمن الفكري الذي يعد من أساسيات تعزيز الأمن الوطني ( ).

 

 

ثالثا : مقومات الأمن بمفهومه الشامل

 

إن الأمن والإيمان قرينان ، فلا يتحقق الأمن إلا بالإيمان .. قال تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) [ الأنعام : 82 ].

وإذا تخلى أبناء المجتمع عن دينهم وكفروا نعمة ربهم أحاطت بهم المخاوف ، وانتشرت بينهم الجرائم ، وانهدم جدار الأمن ، وادلهم ظلام الخوف والقلق ، وهذه هي سنة الله التي لا تتخلف في خلقه قال تعالى : ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون ) [ النحل : 112 ] .

إن نعمة الأمن لا توجد إلا بوجود مقوماتها ، ولا تدوم إلا بدوام أسبابها ، والتي من أعظمها :

أولا : توحيد الله والإيمان به ، والتخلص من خوارم العقيدة ، ومجانبة البدع والخرافات .

 إن الأمن الذي نعيشه و نتفيؤ ظلاله ، إنما هو منحة ربانية ، ومنة إلهية ، مربوطة بأسبابها ومقوماتها ، والتي من أعظمها ، إقامة شرع الله ، وتنفيذ حدوده ، وتحقيق عقيدة التوحيد ومناصرتها والدعوة إليها. قال تعالى : ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) [ قريش : 3-4 ] .

 

 

ثانيا : تربية الأمة على طاعة الله تعالى ، والاستقامة على شرعه ، والبعد عن معصيته ..

إن النفوس المطيعة لا تحتاج إلى رقابة القانون وسلطة الدولة لكي تردعها عن الجرائم ، لأن رقابة الله والوازع الإيماني في قلب المؤمن يقظ لا يغادره في جميع الأحوال .

ثالثا : التمسُّك بالكتابِ والسنة ، والعنايةُ بالعلم الشرعي

فالعلم عصمةٌ من الفتن ، وللتعليم الشرعيِّ أساسٌ في رسوخ الأمن والاطمئنان ، قال ابن القيّم رحمه الله في إعلام الموقعين : ( وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلّة قلّ الشر في أهلها ، وإذا خفي العلمُ هناك ظهَر الشرّ والفساد ).

رابعا : القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة ، هو صمام أمان ، يمنع الشرور والآفات عن المجتمعات ، وبه يحصل العز والتمكين في الأرض ، قال سبحانه : ( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ) [ الحج : 40-41 ] .

خامسا : العدل في كل جوانب الحياة

العدل واجب في كل الأحوال ومن كل أحد، فالراعي مع رعيته ، والأب مع أهله وزوجاته وأولاده، والمعلم مع طلابه ، والرئيس مع مرؤوسيه ، وصاحب العمل مع عماله ، في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، الإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته " ، ومتى تحقق العدل دام الأمن بإذن الله .

سادسا : تهيئة المحا ضن التربوية للشباب والناشئة

 من اهم مقومات الأمن :دعم كل المؤسسات العاملة في تربية الناشئة ، من حلق تعليم القرآن والنوادي والمراكز الصيفية الدعوية على أن يقوم عليها من يتبع المنهج السليم ، وفق الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة.

سابعا : معالجة أسباب انحراف الأبناء

 بسبب ما تعيشه بعض البيوت من فقر ، أو نزاعات وشقاق ، وما ينتج عنها من حالات طلاق وتشرد وشقاق .

ثامنا : أن يقوم العلماء والدعاة والمربون بدورهم

للعلماء دور كبير في احتواء الشباب ، ومعالجة الأحداث ، وتقريب وجهات النظر ، وتهدئة الانفعالات ، وفتح قنوات الحوار الهادف الهادئ مع الشباب ، لترشيد حماسهم وتوجيه انفعالهم وتسخير طاقاتهم في خدمة الأمة لا في هدمها .

تاسعا : حث الجامعات على القيام بدورها المنشود في تحقيق الأمن

وذلك من حيث دعم الكراسي العلمية ذات العلاقة بالأمن الوطني وطرح موضوع الأمن الوطني كأحد المواضيع الهامة التي يجب أن تركز عليه رسائل الماجستير والدكتوراه بحيث يتم إخضاع ذلك الموضوع للدراسة الميدانية على مستوى المناطق والمدن والحدود وأهمية زيادة الرقعة المأهولة من أرض الوطن ناهيك عن إنشائها معاهد ومراكز متخصصة في أبحاث ذلك المضمار الهام.

 

عاشرا :  التعريف بمفهوم الأمن الوطني

وذلك بالنسبة للمواطن وبيان أهميته وأبعاده ودور المواطن في ترسيخه والمحافظة عليه وان لا يؤتي من قبله وبيان أهمية الوحدة الوطنية ووحدة الكلمة في تعميق جذوره فالأمة يجب أن تكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

حادي عشر :  العمل على صياغة إستراتيجية شاملة للأمن الوطني

تأخذ بعين الاعتبار كل المستجدات على الساحة المحلية والإقليمية والدولية وكذلك استقراء الاحتمالات المستقبلية بصورة مرنة قابلة للتعديل والتبديل حسب الظروف والمتغيرات حيث لم تعد الأحداث كما كانت في السابق لها مقدمات بل أصبحت أغلب سيناريوهاتها تتم بصورة مفاجئة مما يتطلب سرعة الحركة في الاستجابة لها واحتوائها كما يجب ان تتضمن تلك الاستراتيجية رؤية جيدة لما يجب ان تكون عليه.

 

ثاني عشر : تفعيل مكانة المملكة وثرواتها في تحقيق الأمن الوطني

ويكون ذلك بالعمل على جعل مصادر الثروة لدينا ومجالات الاستثمار وموقع المملكة الجغرافي ومكانتها الدينية وما تبذله من مساعدات وإعانات للدول الشقيقة والصديقة وسائل دعم للأمن الوطني بحيث يصبح الجميع يهمه استقرار المملكة وبالتالي يقف ضد كل من تسول له نفسه الاعتداء عليها وبالطبع هذا يأتي كداعم للقوة الذاتية للمملكة ويساعد ضمان وقوف الرأي العام العالمي والرسمي إلى جانبنا في كل الأوقات خصوصاً ان حكومتنا الرشيدة تعمل بحكمة وتوازن وتحظى بالثقة والمصداقية ومدعومة بمحبة الشعب والتفافه حولها.

و مما يجب التنبيه عليه هنا أن الأوامر الملكية الكريمة التي صدرت قبل فترة وجيزة تصب جميعها في بوتقة تعزيز الأمن الوطني سواء ما يتعلق منها بحل مشكلة الإسكان أو القضاء على البطالة أو تعزيز قوى الأمن الداخلي أو رفع الحد الأدنى للأجور أو إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أو تعزيز أجهزة الرقابة أو غيرها فكل واحدة منها تسد ثغرة في منظومة بناء الدولة وإذا ما دمجت تلك التوجهات مع الجهود القائمة تصبح المحصلة درعاً قوياً يحمي الوطن والمواطن من الرياح والزوابع العاتية التي تتعرض لها المنطقة العربية هذه الأيام.

والذي لا نشك فيه أن مجلس الأمن الوطني برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان حفظه الله يبذل جهوداً كبيرة وذلك في سبيل تحديث كل فعالياته وتحديد أولوياته وذلك استجابة لتوجهات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله.

وإن مما يجب التنبيه عليه هنا كذلك أن الأمن الشامل التامّ هو في توحيد الله تعالى ،  وطاعته ، ولزوم شكره وذكره وحسن عبادته ، قال سبحانه : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].

إن المعاصي والأمنُ لا يجتمِعان ، فالذنوب مُزيلةٌ للنِّعم ، وبها تحُلّ النقم ، قال سبحانه : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [الأنفال:53]، وما نزل بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة. والطاعةُ هي حِصن الله الأعظمُ الذي من دخله كان من الآمنين .